الغزالي

32

إحياء علوم الدين

في المداخل الستة التي ذكرناها من مداخل الحرام ، لفقد شرط من الشروط ، فهو الحرام المطلق الذي ينسب مقتحمه إلى الفسق والمعصية . وهو الذي نريده بالحرام المطلق . ولا يحتاج إلى أمثلة وشواهد وأما الدرجة الثانية ، فأمثلتها كل شبهة لا نوجب اجتنابها ، ولكن يستحب اجتنابها كما سيأتي في باب الشبهات . إذ من الشبهات ما يجب اجتنابها فتلحق بالحرام ، ومنها ما يكره اجتنابها ، فالورع عنها ورع الموسوسين ، كمن يمتنع من الاصطياد ، خوفا من أن يكون الصيد قد أفلت من إنسان أخذه وملكه . وهذا وسواس . ومنها ما يستحب اجتنابها ولا يجب ، وهو الذي ينزل عليه قوله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » ونحمله على نهى التنزيه . وكذلك قوله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « كل ما أصميت ودع ما أنميت » والإنماء أن يجرح الصيد فيغيب عنه ، ثم يدركه ميتا . إذ يحتمل أنه مات بسقطة أو بسبب آخر . والذي نختاره كما سيأتي أن هذا ليس بحرام . ولكن تركه من ورع الصالحين . وقوله دع ما يريبك أمر تنزيه . إذ ورد في بعض الروايات ، كل منه وإن غاب عنك ما لم تجد فيه أثرا غير سهمك . ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم في الكلب المعلم « وإن أكل فلا تأكل » فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه على سبيل التنزيه لأجل الخوف : إذ قال لأبي ثعلبة الخشني [ 3 ] « كل منه » فقال وإن أكل منه ؟ فقال « وإن أكل » وذلك لأن حالة أبي ثعلبة وهو فقير مكتسب ، لا تحتمل هذا الورع . وحال عدى كان يحتمله يحكي عن ابن سيرين أنه ترك لشريك له أربعة آلاف درهم ، لأنه حاك في قلبه شيء مع اتفاق العلماء على أنه لا بأس به فأمثلة هذه الدرجة فذكرها في التعرض لدرجات الشبهة . فكل ما هو شبهة لا يجب اجتنابه فهو مثال هذه الدرجة أما الدرجة الثالثة ، وهي ورع المتقين ، فيشهد لها قوله صلَّى الله عليه وسلم « لا يبلغ العبد درجة المتقين حتّى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس » وقال عمر رضي الله عنه